ولادة فموت
-----------------------
في يوم شتوي شديد البرد والرياح والأمطار على البسيطة، اجتمع فيلق من الحيتان المختلفة الأنواع والألوان والأحجام مع بعض الكائنات البحرية الأخرى في قاع البحر في إحدى زوايا بقايا باخرة قديمة للغاية مهترئة اللوح والمكونات، مصدئ حديدها ومتآكل ،مغلقة الأبواب الموجودة بها رغم تساقط أجزاء لوحية كبيرة منها ،متعددة البقايا وخاصة منها العظام...
اجتمعوا بعد أن ضاق بهم الحال وباتت حياتهم مهددة أكثر من ذي قبل من قِبَل أكثر من سبب ومتدخل، إذ انعدم الأمن والأمان والسلم والسلام وبات الموت أكبر حاضر بينهم وأهم عنصر من عناصر الوجود لديهم....
لذا، وبعد أن انعدمت تقريبا إمكانية الحياة و العيش والديمومة والاستمرار، تجمعوا هنا بغية تباحث الوضع ومحاولة ايجاد مخرج له درءا للانقراض والاختفاء القهري.
فما كان من أقواهم وأجرئهم إلا أن قال فيهم :
- يا قوم طفح الكيل، فقد بتنا صيدا سهلا ووفيرا للموت اما من اكلنا لبعضنا البعض بما أننا في موطن البقاء للأفضل والاقوى ولمن ينال بغيره، واما بالموت الطبيعي حين تحين الساعة، واما بسقوط شيء غريب علينا كهذا الشيء الذي نحتمي به الآن من المخاطر، أو غيرها من أسباب الموت، دون أن ننسى بطش حاكمنا (البحر) طغائه وجبروته فهو يرمي ويتلاعب بنا كيفما يشاء ومتى يشاء وخاصة لما يغضب وتعصف الرياح بقوة فوق سطح البحر وتصاحبها عاصفة بحرية تنشط الأمواج وتتشكل بفعل احتكاك الهواء مع سطح الماء وتكبر وتغضب كلما كبر الهواء وتقوى... ،فيهيج هنا ويفعل بنا افعالا جسيمة العواقب...
- (
سمكة) لكن هذا الحال ظرفي يخضع لسرعة الرياح ومدتها والمسافة التي تهب فيها، يعني أن هيجان الأمواج ومساهمتها في مزيد تعكير جونا هنا غير قارة ومستمرة وبالتالي فهذا الخطر - وإن كان شديدا وعويصا- يشتد في هذه الفترة ويتواتر ويتكاثر حتى يتغير الفصل فتقل خطورته...
- (
سمكة كبيرة مقاطعة) وهل ننتظر حتى يتغير الطقس؟ من يضمن لنا البقاء حتى تلك الحقبة؟
- (
سمكة ثالثة) هل الهجرة هي الحل؟ هل نؤمن البقاء في الوديان والانهار والسدود؟
- (
سمكة رابعة غاضبة) هل نترك هذا الرفاه لنرتمي في الدرن والوسخ والتلوث - رغم طغائه هنا أيضا - وإن كان الجو يؤمن لنا أكثر نسبة البقاء لخلوه من بعض العوائق المنتشرة هنا، لكن الهجرة في حد ذاتها انتحار لتغير كل شيء بين العوالم، فنحن في اغلبنا خلقنا لنعيش ونموت هنا...
- (الخطيب الاقوى الذي افتتح الاجتماع) كفوا عن هذا الهراء رجاءً، فالمخاطر مشتركة بيننا، في كل لحظة نفقد أحدنا إن لم أقل مجموعة منا... الموت مصيرنا مهما هربنا منه، لا يمكننا الفرار منها لا بالهجرة او النزوح او الاختفاء او غبره، فحين تحين الساعة تأخذنا الموت مثلما بعثت فينا الحياة ذات يوم. الموت هي الحقيقة الوحيدة وهي نقطة نهاية امتحاننا في انتظار صدور النتائج، علينا كتابة ما يليق بنا في صحف حياتنا وما ينتظره منا خالقنا عوض البحث عن الهروب من الموت، فنحن بهذا الشكل نهرب من الواقع إلى الواقع نحلم ونحلم فنجني الحقيقة مهما هربنا منها. ببساطة الحياة كلمتان لا ثالثة لهما :ولادة فموت.
________________________________________
بقلم :ماهر اللطيف

ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق
ملحوظة: يمكن لأعضاء المدونة فقط إرسال تعليق.