وكأن معدتهم حديد...
تفقدت الوالدة السكين، فلم تعثر له على أثر يذكر؛
وكأن الأرض ابتلعته. وهنا لم تجد بدا من إنابة عنه كلتا يديها؛ لتفي بالغرض
المطلوب، وتتصدى لخبيز حامي الوطيس، وصل توا من الفرن التقليدي المحاذي
لرأس الدرب؛ لترديه كسرات متساويات.
وتوا، قامت بتوزيع تلك الكسرات
تباعا على عصبة من إخوة احتشدوا أرضا على حصير من قصب، في صمت مطبق، حول
صحن أبيض من قصدير، امتلأ عن آخره بطبيخ عدس بلدي قاتم اللون.
يبدأ العد التنازلي وكأن بهم جوع ذئاب في برد قارس؛ ليأتوا على آخره.
تنفض الأيادي عنه ليتولى كبيرهم وكالعادة، علق ما علق بالصحن من فتيفتات.
يتفرق الجمع في انتظار ساعة الظهيرة؛ ليهرول كل منهم إلى وجهته المدرسية.
تخلد الوالدة الى قيلولة، تريحها نسبيا عناء شغل البيت؛ لتهب بعد حين إلى المطبخ، وتشرع في غسل الأواني.
وبالصدفة، تكتشف ذلك السكين عالقا بقاع آنية الطبيخ محشوا وعن آخره بين ثنايا ما علق من حريق العدس.
لم يبق يظهر من السكين إلا الحديدة أما عن القبضة البلاستيكية فقد ذابت
وعن آخرها وامتزج عصارها بطبيخ العدس الذي استقر في معدتها وفي معدة
الأولاد.
عضت على شفتيها، وشدت على رأسها، وانتابتها الوساوس وغشتها حسرة لا توصف.
خافت على الأولاد خوفا شديدا، ولم تستطيع مشاطرة اي كان فعلتها.
احتفظت لنفسها بهذا السر؛ لتظل ترقب الأولاد بحذر وعن كتب من سوء العواقب،
إلا أنه ولله الحمد،أتت العواقب سليمة، ولم يظهر عليهم أي أثر للتسمم.
وبعد حين، استبشرت خيرا؛ لتسر بسرها هذا إلى أحدهم، ومن أحد إلى أحد،
فافتضح الأمر ولم يعد داع التستر عليه. فتعالت القهقهات وغذا حديث الساعة.
وكأن معدتهم حديد...
عبدالاله ماهل
المغرب
ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق
ملحوظة: يمكن لأعضاء المدونة فقط إرسال تعليق.