حب أعدم الطبقية
كانا يدرسان في الكلية بنفس الفصل. فتاة جميلة يتيمة الأم من عائلة
بورجوازية وفتى أجمل، يتيم الأب، من عائلة فقيرة. كانت الفتاة تأتي كل صباح
الى الكلية على متن سيارة فخمة. وكان الفتى يأتي على متن دراجة عادية غير
مكتملة اللوازم، اشترتها له أمه التي تستنفد كل طاقتها لتعليمه. أتى في
اليوم الاول متأخرا فجلس في أول مقعد فارغ كان بجانب فتاة جميلة. اشتم منها
رائحة عطر أخذ منه جرعة انفاس صيرت نظراته سارحة تحوم حولها فما انتبه
للدرس ولا درى بما يقوله الاستاذ.. اخذته نعومة شعرها وروعة لبسها و تضاريس
صدرها. رأته. ابتسمت له. فكان للأعين موعد نسقت بعده للقلوب لقاء. كانت
تبهره بجمالها و بما ترتديه كل يوم من نفيس الحلي وثمين الثياب. وكان هو
يعجبها بم يرتديه من ابسط الثياب. ثيابه كانت جد عادية لكن مع جماله كانت
تظهره في أعين الفتاة حلوا جذابا. كانت أمه تعرف كيف تجعل من هذه الملابس
البسيطة ملابسا حلوة وكان هو يهتم بهندامه فيبدوا بهذه البساطة كأنه من
ابناء طبقة راقية يتبع موضة الشباب الحديثة. كان يحاكي اقرانه من الشباب
الذين رفضوا البدلات الثمينة وارتدوا السراويل الممزقة تمردا على مبادئ
مجتمع قد انقسم الى فقراء واغنياء ولا وسط بينهم. كان يعرف جيدا هو و أمه
معه، لماذا يرتدي سروالا مقطعا عند الركبتين ولماذا قميصه كان مرقعا عند
المرفقين. ولماذا شعره أشعث وبلا تسريحة. هما فقط يعرفان أن شح المادة وعدم
القدرة على تحمّل نفقات وتكاليف الحياة هو العلة...
ارتبطت به الفتاة
وارتبط بها. اعجبها بمنظره وبذكائه اذ كان متفوقا في دراسته وخصوصا في
اللغة التي كانت هي ضعيفة في بعض موادها كالنحو والبلاغة. كان لها هو
الملاذ الذي تلجأ اليه كلماكبحت مكائد اللغة فهمها في درس من هذه المواد.
كان هو الدواء لكل مشاكلها الدراسية. اصبحا بموجب هذا صديقين حميمين. لم
تسأله يوما عن اهله ولا عن أصله. كان همها هو أن يحبها وأن يكون لها
أستاذها بعد أستاذ القسم... هو كذلك لم يسألها يوما عن اصلها ولا عن فصلها.
عرف عنها أنها من عائلة غنية بموجب السيارة الفخمة التي رآها تقلها كل
صباح للكلية وتأخذها منها كل مساء الى بيتها. كان غرضه في الاول ان يراه
الآخرون برفقة فتاة جميلة ومن عائلة أرستقراطية. ولكن القلوب إذا احبت
أزالت حواجز الطبقية وأبرمت اتفاقية نهاية اللعب بالحواس لفائدة آراء
الآخرين.
مرت ثلاثة اشهر على رفقة أنجبت غراما، اصبحا بموجبها يفشيان
بأسرار لهما لم يكونا قادرين على الافشاء بها في ايامهما الاولى. بقدر ما
كانت الفتاة تسهب في اعطائه من اسرار وسطها العائلي بقدر ما كان هو حريصا
على أن لا تعرف شيئا عنه و عن وسطه العائلي المدقع وعن خدمة أمه المنظفة
للمنازل.
ذات يوم باشرا حديثا طويلا ذو سجون، فانتابتها رغبة التساؤل
حول أم الفتى و عن عملها. لعلها تكشف سر التشابه الهائل بينه وبين تلك
المرأة الخادمة في بيتهم. اقلقه تصرفها فنهرها وقال لها:
- اسأليني فقط عن نفسي ولا تسأليني أبدا عن أمي أو عن أحد من عائلتي. قالت له:
يا حبيبي هذا التساؤل هو فقط لمجرد زيادة لمعرفتي بك. كان كلامها مشفوعا بابتسامة عريضة ظنتها ستغير رأيه... قال لها:
- أنا كما تريني أمامك فلا داعي لسبر اغوار عائلتي لمعرفة ما هو بعيد عني
ومخبئ وسط ادغال هذه العائلة. قالت وهي تبتسم مرة أخرى وقد وضعت كفها على
كفه:
لقد حيرني والله تشابه هائل بينك وبين امرأة جميلة تخدم بيتنا.
وما تساؤلاتي إلا فضول يدفعني لأزيح هذا الإشكال من ذهني. امرأة تخدم عندنا
بالبيت وتشبهك تشابها مبهرا قد قض مضجعي. فكلما امعنت النظر الى وجهها
افتكرتك. فأنت هي والله. امرأة ذات لباقة، وجمال، هندام و طيبوبة قلب،
وعاطفة جياشة. كان التحاقها ببيتنا مبعث سرور ويمن. لقد اصبحت في مرتبة
أمي. وحتى أبي أعزها كثيرا لمعاملتها الطيبة ولأخلاقها المتفوقة حتى أصبح
عندما يريد أن يناديني يغلب عليه اسمها فيناديني به. قال لها:
وما اسمها؟ قالت:
فاطمة الزهراء. لما نطقت بالاسم تغيرت ملامحه وقال:
- لا تبتئسي لهذا ولا يهمك فالله يخلق من الشبه أربعين.
مرت أيام وارتفع التعلق الى مرتبة عشق وهيام. توثقت عرى الصداقة وأهل
عليهما حب جميل شكل رغوة عاطفية جمعتهما في بقاعة شفافة ان احتفظا عليها
عاشا سليمين وفي أمن وأمان.
اقتربت امتحانات الدورة الاولى فطلبت منه أن استطاع أن يرافقها كل مساء الى دارهم ويراجعا هناك معا دروسهما.. وفعلا كان.
في ليلة الامتحان، استرسلا في المراجعة ونسيا مرور الوقت، فتعطل الشاب
عندها حتى منتصف الليل. تطوع أبوها ليحمله بسيارته إلى بيته. فالشاب حريص
على أن ينام بجانب أمه. طلب منه العنوان. فأعطاه عنوانا غير عنوانه لكي لا
يكتشف مكان سكناه ويعرف أنه يسكن وأمه في كوخ حقير. نزل الشاب بعيدا عن
حيه. رآه أحد المتسكعين بالشوارع وبما أنه نزل من سيارة فخمة ظنه ابن غني
معه من المال ما يبتغيه. تعارك معه على الهاتف فلوى له دراعه فكسره. وصل
بصعوبة إلى بيته. كان الأمر غير سهل على أمه. ضممت جراحه وخرجت ليلا تتفقد
عربة أحد الجيران الذي أخذهما الى المستعجلات. في الصباح لم يستطع الذهاب
الى الكلية لاجتياز الامتحانات ولم تذهب أمه كذلك الى عملها. فتساءلت
الفتاة عن غياب حبيبها وتساءل الأب غن غياب خادمته. سمعت الفتاة أنه
بالمستشفى. طلبت من ابيها ان يرافقها لعيادته. عندما وصلا للمستشفى أول ما
أثار انتباههما وجود السيدة الخادمة قربه تواسيه. لم تكترث الفتاة لهذا
لأنها كانت تكاد تجزم له من قبل أن الخادمة أمه. تعجب الأب لوجود خادمته
هنا. فقال الشاب للفتاة:
يخلق الله من الشبه اربعين ولكن أظن انك الآن انتقيت من الاربعين اثنين. أنا وأمي. قالت الفتاة:
- لله درك. كم انت كاتم سرك. قال أبوها:
أهي أمك؟ أجابه الشاب بنعم. فقال لابنته:
- هيا يا بنتي لم يعد عندي ما أفعله هنا في مستشفى اختلط فيه عندي الحابل بالنابل.
ودعت الفتاة الشاب وفي طريقهما حدثها أبوها قائلا:
- كيف لك يا بنتي أن تحشري نفسك في موقع كهذا؟ ألم تنتبهي لصيانة مرتبة
عائلتك؟ عندما رأيته معك كنت اظن ان ملابسه ملابس موضة لكن يظهر من وظيفة
أمه أنها ملابس فقر. افتكرت الفتاة العاشقة كلام عشيقها يوم فسر لها درس
التورية وقال لها:
- اذا فهمت هذا الدرس فافهميني. فحياتي كالتورية لها
معنيين. معنى قريب ظاهر غير مقصود ومعنًى بعيد خفي وهو المقصود، معنى
بعيدا اضمره وأنا لوحدي العارف به وهو يخصني ومعنى اريدك أن تفهميه
فتعذريني إن كان حبك لي خالصا. قال لها الأب وهو قلق بعض الشيء:
ابتعدي
عنه يا بنتي وعن حبه. فنحن من طبقة عليا وهو من طبقة سفلى. وهذا لا يليق
بي ولن اقبل بفقير يحب ابنتي ويصاهر عائلاتي... قالت له:
- لا تقل هذا
يأبي فأنا قد احببته لشخصه ولقلبه ولذكائه فلن يمنعني اليوم عن حبه أنه
فقير فهذا لم يكن من اختياره وإنما هو من قسوة مجتمع نعيش فيه. ان كنت
تحبني فعلا يا أبي فلا تحرمني من حبه. تنهد الأب وزفر زفيرا ثقيلا ثم قال:
- لله درك يا بنتي، وما عسى أب يحب ابنته ان يفعل. قالت:
- يا أبي! أمه تخدمني وتخدمك كما كانت أمي واكثر، وأنت أحببتها لأخلاقها
ولتفانيها واخلاصها في عملها. وكنت دائما تحثني على احترامها ومعاملتها
بالحسنى. فهلا أتيت بهذه اللبنة الفضية تجعل منها زوجة لك وأما لي ومعها
هذا الشاب اللبنة الذهبية أجعل منه أنا أميرا لي ويجعلني هو عاشقة هائمة في
حبه ونبني معهما عائلة نهدم بها اسوارا طبقية احاطتنا بها أفكارنا الشاذة
التي لا زالت ومنذ القدم تقهر الفقير وتبعد عن انسانيته الغني. نبني معهما
عائلة اساسها الحب وملاطها التفاهم. نظر اليها وفتح نافدة السيارة وأخرج
منها يده اليسرى وابتسم ابتسامة عريضة وبدأ ينقر بأصابع يده اليمنى على
المقود وفرحة عارمة تبدوا على محياه تعكسها المرآة التي تنظر اليها ابنته
من ورائه...
احمد علي صدقي/ المغرب

ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق
ملحوظة: يمكن لأعضاء المدونة فقط إرسال تعليق.