أهم الاخبار

مجلة نداء الرؤح للشعر والأدب رئيسة مجلس الادارة الأستاذه نداء الرؤح )

السبت، 29 سبتمبر 2018

" جدي " في شراك امرأة بقلم مصطفى دهور

أعزائي القراء سلام الله عليكم !
أتمنى أن تنال هذه القصة رضاكم وتلقى تشجيعاتكم.

" جدي " في شراك امرأة
لم تتح للأسف لكم الفرصة لتعرفوا جدي ! كان رجلا طيبا جدا ، وكريما جدا. كان يبلغ من العمر سبعون سنة، لكنك تظنه ابن الخمسين. كان مرحا ، يحب المزاح ، وكان من السهل أن تخدعه. كان يأخذ الناس على محمل الجد ، ولا يسأل دائما ليعرف كل شيء. كان رجلا ثريا ، ولم يكن يسأم من فعل الخير. أكتفي بإعطاءكم مثلا واحدا : كان جدي يهب أكثر من أربعين خروف كصدقة لبعض العائلات المعوزة من بين جيراننا ومعارفنا ، وذلك بمناسبة عيد الأضحى. كان ذلك يدخل عليه سرورا كبيرا. كل الناس كانوا يحبونه في الحي ، والكل كان يدعو العلي القدير بأن يمنحه الصحة وطول العمر.
كنا نعيش كلنا في دار جدي ، وكان عددنا كبيرا جدا. كان لأبي زوجتان ، أمي وامرأة أخرى ، وكان له سبعة أبناء. كنا نسكن في الطابق الأول ؛ وكانت عمتي ، والتي كان زوجها قد فارق الحياة تسكن في الطابق الثاني هي وأبناؤها الأربعة ؛ أما عن جدي ، فكان يشغل الطابق الأرضي : كانت ركبتاه تؤلمه كثيرا ، ولم يكن يقوى على الصعود والنزول كل يوم على السلم. لقد أصبح أرملا منذ أن كان أبي في سن العاشرة. 
كنا إذن خمسة عشر فردا ، وكنا كلنا نجني فائدة كبيرة من وراء أموال جدي. كنا نرتدي أفخم الثياب في الحي كله ، ونأكل أحسن الطعام.
لقد جرت العادة أن نقضي ، وذلك منذ نعومة أظافرنا شهرا بأكمله في ضيعة جدي ، خلال كل فصل صيف. كان حقا رجلا غنيا جدا ! كان يجب أكثر من ساعتين لنرى قطعان الغنم والبقر وهي تعود إلى الضيعة في المساء ؛ أكثر من خمسمائة رأس ! وكان الإسطبل المخصص للخيل وحده يشبه مجمعا تجاريا كبيرا في اتساعه ! أما عن حقول القمح والذرة ، فلقد كانت تمتد على بعد النظر !
كانت صحة جدي تتدهور مع مرور الوقت ، فغالبا ماكان يسقط مريضا. نصحه ثلاثة أطباء بنفس الشيء ، ألا وهو العيش في البادية ؛ فهواء المدينة الملوث لم يعد يوافقه بتاتا. وكان كذلك. لم يكن جدي مسرورا لتركه المدينة ، وكل أصدقائه الموجودين فيها ، لكن أوامر الطبيب تأتي فوق كل اعتبار ، إن هو أراد الشفاء ! 
لم يغير هذا الحدث شيئا في حياتنا ، فأموال جدي مازالت حاضرة لتلبي كل رغباتنا.
مرت سنتان ونصف وجدي يقيم بالبادية ، لكن حالته المزرية لم تكن توحي بالإطمءنان. وفي صباح أحد الأيام ، تلقينا تلغرافا مفاده أن جدي قد مات.
ياللخطب المفجع ! لقد غادرنا جدي إلى حيث لا رجعة. كنا نحبه كثيرا. لم يكن فقط كريما ، بل كان أيضا ودودا. كان يشاركنا همومنا، يناقشنا مشاكلنا ، يغرق في الضحك عند سماع نكثنا . . كم سأشتاق إليه ! كان يحبني كثيرا ، وكنت بالنسبة له أجمل فتاة في العالم !
السؤال الذي يطرح نفسه ويجعلنا نرتبك هذه الأيام هو كالتالي : هل ستستمر الحياة كما كانت عليه قبل وفاة جدي ؟ بعبارة أخرى ، هل ستظل أموال جدي تلبي كل احتياجاتنا ، رغم عدم وجوده هو بيننا ؟
مرت ستة أشهر ونحن نعيش في حيرة دائمة. لم يكن ينقصنا شيء في حقيقة الأمر، لكننا كنا نتخوف من المستقبل ، ومايمكن أن تخبأه لنا الأيام. لم يكن يعلم أبي بهذا ، لكن ماإن أخبرته أمي عن حجم حيرتنا التي لايمكن تجاهلها حتى أسرع ليطمإننا :
- يجب أن تعلموا أنه ليس لجدكم وارث آخر بالإضافة لنا نحن الإثنين : أختي ، عمتكم ، وأنا ! إذن ، لاداعي للقلق !
- بالتأكيد ، أبي ؛ لكن . .
- من غير " لكن " ياولدي ! ثم دعوني أطلعكم قبل كل شيء على القرار الذي سبق واتخذته ! سأستقيل من هذا العمل الذي لاأجني من ورائه شيئا، ثم سأرحل إلى البادية لأقيم هناك ، وهذا كله من أجل أن أباشر بنفسي كل تلك الخيرات التي تركها لنا جدكم !
لم يكن أحد يشاطر أبي الرأي، وذلك لعدة أسباب. كانت عمتي هي من أخذ الكلمة في بادئ الأمر :
- عفوا أخي ، لم تكن فكرتك طيبة ! تترك أبناءك لتذهب . .
قال أبي ، وهو يقاطعها بعصبية : حسن ! ماذا تقترحين أنت ؟
- بالنسبة لي ، يجب أن . . 
- أن ماذا ؟ تكلمي !
سكتت عمتي لتقول ، بعد مرور ثواني قليلة :
- يجب أن نبيع كل شيء . . 
- ماذا ، نبيع كل شيء ؟!
- نعم ، نبيع كل شيء لنستفيد من كل الأموال التي سوف نجنيها من وراء هذا البيع !
توترت أعصاب أبي الذي لم يوافق على هذا الإقتراح ، فكانت عمتي أكثر حكمة لتعيده إلى الصواب. قالت له وهي تطمءنه :
- صدقني أخي ، يمكن أن نفعل أشياء كثيرة بهذا المال ! 
رد أبي وهو مستاء جدا : وماذا عسانا أن نفعل ؟
- أشياء كثيرة ! هناك التجارة ، مثلا !
- التجارة ؟!
- ولم لا ! انظر جيدا ، عندنا ثلاثة أولاد ، وكلهم تجاوزوا سن العشرين ولايعملون أي شيء ؛ أفهمت ماأعنيه ؟
- آه ، ياأختي ! إن هؤلاء الأولاد الذين تتكلمين عنهم بكل هذا الحماس لايقدرون على فعل أي شيء !
كانت هذه العبارات جد مهينة ، مما أثار سخط إخوتي البالغين من العمر ، تباعا ثلاث وعشرين واثني وعشرين سنة ، ثم ابن عمتي الذي بلغ مؤخرا سن الواحد والعشرين. وهاهو أخي الأكبر يقول ، وقد قطب حاجبيه : 
- يجب ألا تستهين بنا وتقلل من تقديرنا ، ياأبي ! نحن نقدر على فعل أشياء كثيرة !
قال أبي ، وبلهجة لاتخلو من التهكم : حقا ! تفضلوا إذن ، وأروني مايمكنكم القيام به !
- حسن ! أنا مثلا ، لو كان عندي محل لبيع ملابس الأطفال ، لأصبحت رجلا غنيا ، ولن تحتاجوا لأي شيء معي في حياتكم أبدا !
قالت عمتي بشيء من الفضول : أيمكن أن تشرح لنا وجهة نظرك ؟
- بالتأكيد ! في بلدنا ، بدأ الناس حاليا بهتمون بأبنائهم بطريقة لاتصدق ! فهم يتبعون الموضة ، شأنهم في ذلك شأن كل الناس المتشبعين بحضارة عالمية ، يتمتع فيها الطفل بكل الإمتيازات ، على ضوء حقوق الطفل في العالم ! أعتقد إذن أن هذا النوع من التجارة سيكون ، ولا محالة مربحا جدا !
صفق له الكل احتفاء بفكرته الرائعة ، ومن أجل معرفته بما يروج في السوق. ابتسم أبي خلسة ، الشيء الذي شجع أخي الثاني أن يقول ، وعيناه تلمعان : أما نوع التجارة الذي أقترحه عليكم أنا فهو أفضل بكثير مما جاء به أخي !
قالت أمي، وهي مرحة : وما هو نوع هذه التجارة ؟
- أنا أريد أن يكون عندي متجر خردوات .
- متجر ماذا ؟!
- خردوات. ألا يحتاج الناس دائما للمسامير والمطرقات والمناشير والأقفال ، وكل الأشياء الصغيرة المصنوعة من المعدن ؟ أظن أنكم ستحيون معي حياة سعيدة جدا !
كنت في غاية السرور وأنا أسمع أخي يتكلم على هذا النحو ! بعد هذا ، أصبحت كل الأنظار مصوبة نحو ابن عمتي الذي وقف فجأة ليجذب انتباه الجميع ، ثم قال : أما أنا ، فأريد أن أصبح صاحب محلبة !
- محلبة ؟!
- نعم. نحن نعلم كلنا أن الناس لايمكنهم الإستغناء عن الخبز والحليب والزبدة والجبن والعسل ، وكل الأشياء التي لايتوانى التلفزيون عن الإشادة بمزاياها عن طريق الإشهار ! أفهمتم ماأعنيه ؟ 
لست أدري ماالذي حصل لأمي ، لقد أصيبت بنوبة ضحك ! بعد ذلك ، استلقى الكل على قفاه من الضحك ، دون أن يعرف أحد السبب !

هاهو القرار الذي توصلنا إليه الآن جميعنا : سنبيع كل شيء ، وسنحتفظ فقط بالضيعة والأراضي المحيطة بها. وحسب تقديراتنا ، سوف نجني من وراء هذا البيع مالا كثيرا يصل إلى أربع أو خمس مائة مليون سنتيم ! سيأخذ كل من أبي وعمتي نصيبهما ، لكن بعد أن يكونا قد خصصا مائة وعشرين مليون سنتيم للمشاريع الثلاثة المتفق عليها : المحلبة ، متجر الخردوات ثم المتجر المخصص لثياب الأطفال.
مضى أكثر من أسبوع الآن على تواجد أبي بالبادية. لقد بدأ صبرنا ينفد. قالت لنا أمي بهدوء : 
- إنه يبحث عن ألمشتري ! 
- أمضى كل هذا الوقت ، ولم يجد المشتري ! إننا في عجلة من أمرنا لنرى مشارعنا تتحقق !
- نعم ؛ إننا نتوق إلى عودته ومعه حقائب فيها مال كثير !
هاهو أبي يعود بعد يومين ، لكن لم يكن معه أي شيء ! نعم ، لم يكن يحتكم ولو على سنتيم واحد ! كان محبطا ، ولم يكن يدري كيف يجعلنا نعلم بالخبر المحزن الذي سبب له الأرق لبعض الوقت، وأفقده شهيته. ثم علمنا بكل شيء بعد ذلك.
يالخيبة الأمل ! ياللخطب المفجع ! كنا نتأوه من شدة الألم ؛ كنا نبكي ، ننتف شعرنا بشدة ، نخبط الباب برؤوسنا . . آه ياجدي العزيز ! لقد كنت شخصا رائعا ، لكنك ارتكبت أكبر بلاهة في حياتك ، قبل أن تودع هذا العالم !
كان أبي يتحدث عن المحامين ، وعن المحاكم ، لكن لم يكن أحد منا على يقين بأننا سوف نكسب القضية. وداعا متجر الخردوات ، وداعا المحلبة ؛ وداعا الثراء الذي طالما حلمنا به ! لقد أخلط جدي جميع الأوراق ! لقد أوصى بكل أملاكه لولده البالغ من العمر سنة ونصف ، والذي أنجبه من امرأة شابة كان قد تزوجها خلال مقامه بالبادية . لقد كان مجبرا ، حسب ما قيل لأبي في الدوار على ألا يفشي سر هذا الزواج لأي أحد منا !
هاهو أبي يتخذ القرار بأن يرفع دعوى إلى المحكمة بهذا الشأن. إنه يقول " ماضاع حق وراءه مطالب " . قال له أخي الأكبر بأن الوصية قد تمت ، وهي الآن سارية المفعول ، ولم يبق لنا الحق في أي شيء ، فرد أبي يقول : لا تخافوا ! هناك سر لايعرفه أحد ..
- سر ؟! 
- نعم ، سر ؛ وهو الذي سيفند كل شيء ويخطأه بالحجة والدليل. 
قال أحد المفكرين بأن " الفقر يريد الكثير ، لكن الجشع يريد كل شيء ! " ، وهذه هي قصة هذه المرأة التي كانت تمني النفس بالإستحواذ على كل ممتلكات جدي . لقد كانت متزوجة وحامل في الشهر الأول ، ولما علمت بأن جدي سيقيم دائما في البادية ، قامت بفعل كل شيء من أجل أن تتزوج به ، بعدما أوحت إلى زوجها أن يطلقها ويعلم الكل بفراقهما ليراجعها من بعد ، لكن بعد أن يكونا قد استوليا قانونيا على كل شيء عن طريق مولودهما الذي سيصبح الوارث الشرعي والوحيد لجدي . لقد فكرت هذه المرأة في كل شيء ، بعد أن أوقعت جدي في شراكها وأصبح يؤمن بكل ماتمليه عليه ، لكن هناك حقيقة كانت غائبة عنها ، والتي لم نكن نعرفها حتى نحن الأبناء كذلك ( والتي يقول عنها أبي بأنها سر ) ألا وهي أن جدي ، كما كان يعلم كل سكان الدوار كان رجلا عقيما - نعم ، عقيما ! - وأن أبي وعمتي لم يكونا أبناءه من صلبه ، بل أبناءه فقط بالتبني.
لقد شهد كل سكان الدوار إذن بهذا ، نزولا عند رغبة أبي وعمتي ، فظهرت الحقيقة جليا ، هذه الحقيقة التي لم تكن تعرفها هذه المرأة وزوجها لأنهما لم يكونا من سكان الدوار الأصليين .
نحن الآن ننتظر حكم القاضي ، وكلنا أمل بأن حقوقنا ستعود لنا كاملة ، لكن أخي الأكبر كان متشائما جدا ، وكان يقول بأنه يعرف قضايا مشابهة لقضيتنا ، والتي خسرها أصحابها نتيجة لبعض التلاعبات بالملفات ، وتقصير القضاء في القيام بواجبه وإعطاء كل ذي حق حقه.

مصطفى دهور. أستاذ اللغة الفرنسية. 
الدار البيضاء

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق

ملحوظة: يمكن لأعضاء المدونة فقط إرسال تعليق.