"من مذكرات أستاذ جامعي"
"أنا والموسيقى"
منذ كنت صبي في المدرسة الإعدادية ، وتربطني صداقة بالترزي الرجالي
الذي محله أسفل البناية التي كنا نسكن فيها ، وظلت هذه العلاقة حتى توفاه
الله سبحانه وتعالى ، وكان أبي رحمه الله يُرسلني وأخي إليه لأخذ المقاسات
وعمل البنطلونات والقمصان والبدل لنا وكذلك عمل البروفات ، ومما كان يلفت
نظري دائماً داخل المحل آلة عود موضوعة في كيس من القماش ومعلقة على الحائط
، عرفت أنه ينهي العمل بالمحل الساعة الثامنه ليلاً ، والمحل له باباً
من الزجاج بإطار خشبي وبعده باباً من الصاج لغلق المحل تماماً عندما يعود
إلى بيته الذي يبعد كثيراً عن محل عمله ، وكان بعد الثامنه يأتيه أنور
أفندي وهو موجه لغة عربية على المعاش وأحمد أفندي موظف في وزارة الأوقاف
وعلى المعاش أيضاً ، وعبد الحميد بك وهو مستشار في محكمة النقض فيغلق الباب
الزجاجي ، وَمعاً يظلون من الثامنه حتى التاسعة مساءً في سمر يعزف عم
إبراهيم الترزي أعذب الألحان على عوده ويغني بصوته الشجي فيسعد السامعين ،
وعادة يضع على سبرتايه عنده كنكه كبيرة من الشاي لزوم السهرة للحضارين ،
ويقوم بالتناوب أحد الحاضرين بإحضار لفة من الكباب ، أو لفة من اللحم
والبصل والبطاطس من محل الكباب المقابل لدكان عم إبراهيم لزوم العشاء ،
والجميل أن أحداً منهم لا يدخن ، وطلبت منه الحضور معهم كل ليلة فكنت أنا
أصغر من يحضر معهم هذه الساعة بدون أن أشرب شاي حتى لا أسهر فمواعيد
المدرسة كانت في السابعة صباحاً ، وكنت لا أأكل معهم فأمى منعتني من الأكل
خارج البيت ، وكنت أسعد جداً بهذه الساعة وأصعد إلى البيت وكلي نشوه ،
ولكي لا تمنعني أمي من هذه السهرة فكُنت أتعمد عمل الواجب المدرسي أمامها
بشكل يظهر إهتمامي بدروسي ، ففي هذه الأيام كان أخذ الدروس الخصوصية عيب
ودليل غباء وعدم التعلم من مرة واحدة من مدرس الفصل ، ولأن أمي إنسانه
مثقفة وأبي رجل واسع الإدراك فقد تعلم في أوربا فكانا يترُكاني بحريتي
طالما أنا أأتي بما هو مطلوب مني فكنتُ من الأوائل في المدرسة ، والحقيقة
أنني عشقت الموسيقى من عم إبراهيم الترزي وبسببه تعلمت وأجدت العزف على
العود ، ومن خلال نقاشات في مواضيع متنوعة من الحضور ، كُنت قد حصلتُ على
معلومات سبقت سني وزادتني معرفة ، ورغم حداثة سني يومها فإنهم كانوا ينظرون
لي بكل تقدير ، وفي هذه السهرات تعرفت على المقامات الموسيقية والفرق بين
السيكا مثلاً والنهواند ، ومن الجميل أن عم إبراهيم كان يجيد قراءة القرآن
الكريم بالطبقات المختلفه والتي كان يجيدها المغفور له بإذن الله القارىء
الشيخ مصطفى إسماعيل ، ولأني كنت أصغرهم بكثير فقد كنت أسمع فقط لهم في
نقاشاتهم ولا أتكلم إلا إذا سُألت ، لذلك كانت الإستفادة منهم كبيرة ، فمن
يجيد الإستماع لمن هو أكبر في السن والخبرة يكسب الكثير من المعرفة
المجانية ، وأذكر أن بداية معرفتي بعبقرية كوكب الشرق المغفور لها بإذن
الله أم كلثوم كانت من هؤلاء ، وكبرت وعشقت حفلات الأوبرا وكذلك حفلات
الموسيقى العربية وحضرت أخر حفلات السيدة أم كلثوم رغم حداثة سني والصعوبات
التي كُنت أواجهها عند الحصول على تذكرة للحفل ، كذلك كنت عضواً في نادي
السينما ، والذي يعرض كل أسبوع فيلماً لا يُعرض في السوق التجاري ، وإذا
كان بإحدى اللغتين الإنجليزية أو الفرنسية لا تصاحبه ترجمة بالعربية وإذا
كان بأي لغة أخرى صحبته ترجمة باللغة الإنجليزية وأيضا أعترف بفضل هذا في
إجادتي لتلك اللغات ، وتزوجت من إمرأة مثقفة كانت تصاحبني في حفلات الأوبرا
للموسيقار عمر خيرت الذي أعشق عزفه على البيانو والذي تعلمته من عشقي له ،
وكنت أحب المايسترو جيمس لاست الذي صادفته في فيّنا عاصمة النمسا ، ولفت
نظري طريقته في قيادة العازفين ، وتكرر حضوري لحفالات أقامها في باريس
ولندن وواشنطن ، وظل أسلوبه يبهرني ، حتى صادفت المايسترو العالمي نادر
العباسي في الأوبرا المصرية وكيف كان يجعل من الحضور مكمل للاوركسترا
ومشاركة في العزف ، كما كان يفعل المايسترو جيمس لاست ، سنوات كان يتم فيها
بناء مشاعرنا والوجدانيات ، فنحن جيل تمتع بحضور الشيخ محمد متولي
الشعراوي وسمع بقلبه الشيخ محمد رفعت والشيخ عبد الباسط عبد الصمد ، والشيخ
محمد خليل الحصري والشيخ مصطفى إسماعيل وغيرهم من فطاحل عرفناهم وأنتظرنا
سماعهم ، إلى جانب من قرأنا لهم من طه حسين ومحمود عباس العقاد ويحي حقي
ويوسف إدريس وغيرهم ، وتعلمنا وسطية الدين وأن الدين إختيار قلبي وعقلي وكل
خلق الله لهم حق إعتناق ما يقنع عقولهم وقلوبهم من دين ، حتى يأتي الجميع
إلى الله سبحانه وتعالى ويحاسب كل من خلق على إختياره ، فلا يفرض أحداً من
الخلق على الخلق إختيار المعتقد ، فلا إكراه فى الدين ، وتعلمنا أن القيم
هي ذات القيم في كل الأديان لذلك كنا لا نجد حرجاً من تعلم القيم من كل
داعية للقيم فسمعنا الأنبا كيرلس والأنبا شنوده حتى الأنبا تواضروس لما
يقولون بتقدير وإحترام لكل الأديان ، حتى نتمتع بتقدير وأحترام ديننا من كل
الأديان ، فنتبادل معاً قناعة أن كلنا يؤمن برب واحد ، فيسود بيننا الحب
والتقدير ، وهذا أفضل أن ينظر كل منا للأخر على أنه كافر فيسود بيننا
الكراهية ولو سراً ، فقد تعلمنا أن قلوباً تحمل الكراهية لا تعيش كثيراً في
راحة ، وقد عشنا في زمان صدحت فيه أجمل الأصوات من أم كلثوم ومحمد عبد
الوهاب وفريد الأطرش وفيرور وفايزه احمد وسعاد محمد حتى عبد الحليم حافظ ،
فقد تم تربية الوجدان بلا إسفاف أو ألفاظ لا تخدش الحياء فقط بل تذيب
منظومة القيم داخل المجتمعات ، وتُكون شباباً بلا مشاعر حقيقة بل بمشاعر
تشبه مساحيق المكياج التي تجمل كل قبيح .
♠ ♠ ♠ ا. د/ محمد موسى

ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق
ملحوظة: يمكن لأعضاء المدونة فقط إرسال تعليق.