أهم الاخبار

مجلة نداء الرؤح لفرسان الكلمات رئيسة مجلس الادارة الأستاذه نداء الرؤح )

الخميس، 10 سبتمبر 2020

حكايات جدتي بقلم أمل هاني الياسري

 حكايات جدتي....

اليوم لا أحمل في داخلي شيئاً، أكثر من أسف عميق هائل وقد أرهقني كثيراً، سببه أني نهضت في الصباح، وكلي أمل أن أرى جدتي في لحظاتها الأخيرة، وصلنا الى بيتها وانتابتني الخيبة، حين شاهدت خالتي تغطي وجهها؛ لتعلن وداعها ورحيلها الى مثواها الأخير، وبين الحنان والجنان استقر جسدها فوق أريكة الصبر، وعناقيد الحسرة تتراكم في روحي دقيقة بعد دقيقة.
أدهشني نومها العميق فوق سريرها، تفوح منه رائحة الزمن العبق، وحكايات جدتي هي مَنْ كانت تطوف فوقها، وتعقد مأتم الحزن لتجمع تفاصيل جسدها النحيل، المفعم بالحرمان والكرامة والسمو، ثارت أمواج الذكريات فوق سطح بيت جدتي الطيني، وتنورها الذي كان يشعل جمرهُ فؤادي بقوافي العتاب والغياب.
صوت ينثبق من داخل حجرتها المتواضعة أن تعالوا .. تجمعوا حول التنور... تركنا رسائل عشق كثيرة حوله، ورسمت بسمتها على ثغورنا في الأيام الخوالي، كنتُ أحياناً أراها تبكي ولا أعرف السبب، لكني أدركت فيما بعد أن الحياة أرهقتها كثيراً، فعقلها مستمر بالتضحيات وقلبها لا يعوض أبداً.
عاشت اليتم في كل شيء امتصت رحيق أوجاعها بالصبر والسكينة والحكمة، وداعبت السنين بخيوط الحنينن ورسمت الربيع في وجه الاقدار، رحلت ولن يبقى سوى ذكراها، ولم أجد الطريقة المناسبة لوصف حكاياتها حتى الآن، كنتُ أتأملها حين تفرش سجادتها، (وكأن الكعبة أمامها، والصراط تحتها، والجنة عن يمينها، والنار عن شمالها، وملك الموت خلفها، وحبيبي محمد(صواته تعالى عليه وعلى آله) يتأمل صلاتها) هكذا كانت جدتي.
على عتبات الإنتظار كانت واقفة حائرة، لكن نداءً جاءها من خالي الراحل، قبل يومين من وفاتهاقائلاً: أن يا أماه تعالي وأقبلي على قبورنا، ولنصلي معنا فأنت تهتمين كثيراً للصلاة، ولم تفارق مسبحتك يدكَ ابداً، وأنا في عليين أتأمل حياتي لا أملك سوى أن أهمس في أذنييك رحمك الله يا أمين الحمد لله أن قدمت اليَّ..
شيئان لا أكذبهما: دموع الرجال وقلوب النساء، فمجلس عزاء جدتي، كان حافلاً بدموع أبنائها وأحفادها وجيرانها، وقلوب بناتها وحفيداتها وجاراتها أخرجنَ حزنهنَّ من عمق الوجع على فراقها، ليت للسرير شفاه لبكى على فراقك، فكيف بمَنْ عاصر أيامك، واستانس بحكاياتك الممزوجة بملايين الأرغفة والقصص الرائعة.
جدتي كالشمس بين الناس يلتمسون منها الدفء سنشتاقك دائماً، خاصة وأنه لا بريد بيننا سوى الدعاء لك بالرحمة والرضوان... جدتي من أي كوثر تنبع طيبتك؟ من أي زمن أنت وقد نثرت لنا وصاياك، بصلة الرحم والتسامح ورقة القلب؟ جدتي: يا ترى هل احتواك القبر، أم أنه انتظر على رصيف الذكرى؟ جسدك وروحك لهما قصة عشق ملائكي على الأرض، والحروف مهما سكبت عبيرها لتصفك، فهي عاجزة أمام نبضك المتدفق في قلوبنا.
جدتي: رحمك الله وأسكنك فسيح جناته، رحلت وتركت عشرات الحفيدات والأحفاد، يتحدثون عنك بكلام لا يحتاج الى أذن تسمعه، فروحك تتذوقه بكل طيب خاطر، فلقد كنت الوطن والسجادة التي لا تخذل ساكنيها أبداً.
أمل هاني الياسري

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق

ملحوظة: يمكن لأعضاء المدونة فقط إرسال تعليق.