أهم الاخبار

مجلة نداء الرؤح لفرسان الكلمات رئيسة مجلس الادارة الأستاذه نداء الرؤح )

السبت، 3 مارس 2018

عفوا حبيبتي بقلم الشاعر مصطفى دهور.

أعزائي القراء سلام الله عليكم !
أتمنى أن تنال هذه القصة رضاكم وتلقى تشجيعاتكم.

عفوا حبيبتي !
عندما تقسو علينا الحياة ، ولا يأتي الفرج ، وندرك بأن كل الأبواب قد أغلقت أمامنا ، نضعف ونستسلم لليأس ؛ فالمتشاءم منا ربما انتحر ، والضعيف ربما انطوى على نفسه وأصبح يعيش في عزلة . . لكن القوي هو من آمن بأن مع العسر يسرا ، وبقي يقاوم ويقاوم ، متشبتا ولو ببصيص من الأمل ، في انتظار أن تبتسم له الحياة يوما !
هذه هي قصتي أنا مع الحياة ! لم أطأطأ لها رأسي ، وظللت أقاوم قسوتها ، ومرارة قسوتها ، حتى أتاني الفرج يوما ! هاأنذا أتحول من شخص قضى عشرات السنين من عمره بدون عمل ، مكسور الخاطر ، بجيوب فارغة وآمال معلقة إلى شخص ابتسمت له الحياة أخيرا ، وفتحت دراعيها لتحظنه ! إني أعمل الآن بإحدى الشركات ، بمرتب يناسب مؤهلاتي وشواهدي . أنا الآن إذن شخص آخر ! صحيح ، لقد تقدم بي العمر بعض الشيء ، وأصبحت أطل على الثامنة والثلاثين ، لكن هذا لايضر ! بإمكاني ، وأنا الذي أمني النفس في كل وقت أن أتزوج وأنجب أطفالا وأحيا حياة كريمة كباقي الناس !
كنت أنتمي إلى عائلة فقيرة جدا . كانت أمي تعمل كخادمة بالبيوت : تكنس ، تنظف ، تغسل ، تقوم بأعباء التسوق . . أما أبي المسكين ، فكان رجلا كهلا ، ذو الثمان والستين عاما ، لايقدر على فعل أي شيء ؛ لقد اشتد به المرض منذ زمن بعيد، فأصبح يلازم الفراش ، ولا يغادر المنزل إلا للضرورة القصوى .
كانت آمالنا كلها معلقة على شيء لم نكن نبوح به لبعضنا البعض ، لكنه كان يداعب مخيلتنا ، ألا وهو زواج أختي ! كانت أختي ذات الثلاثين سنة فتاة جميلة جدا ، وكنا نمني النفس بأن سيأتي في يوم من الأيام ذلك الفارس المغوار ليأخذها على صهوة جواده وينطلق ، فننطلق معهما نحن كذلك ، نحو آفاق مستقبل زاهر ! طال انتظارنا ، ولم نمل بل ظللنا ننتظر ذلك اليوم الذي سيأتي فيه ، ومن حيث لاندري ذلك الرجل الغني الذي سيقدر جمال أختي ودماثة خلقها واستقامتها ، فيتزوجها دون شرط ! لكن لم يأت أحد، ولم نجن شيئا من وراء هذا الزواج الذي ظل معلقا بين السماء والأرض ! وكيف يأتي هذا الفارس ويترك مالذ وطاب ؛ فالشوارع والمقاهي تغص بالفتيات الفاتنات !

مر عام بأكمله وأنا أوفر كل شيء لعائلتي ؛ لقد تغيرت نوعا ما حياتنا ! أصبحنا نأكل ، على مدار الأسبوع لحما ودجاجا وحوتا ، كما أصبحنا ننعم بطعم الفواكه الذي كنا قد نسيناه لسنوات خلت ! كنا نكتشف من جديد طعم الموز والتفاح والكرز والإجاص . . وكنا نقولها صراحة ونحن نستلقي من الضحك ، و عيوننا قد اغرورقت دموعا ! 
آه من الحرمان ! آه من الشعور بأنك لست كغيرك من البشر ، وأن ليس لك الحق في بعض أنواع الطعام والشراب ، لأنه ليس بمقدورك اقتناؤها !

مر عام بأكمله وأنا أضع جانبا ، عند نهاية كل شهر شيئا من المال ؛ فأنا سأحتاجه حتما من أجل مصاريف عرس زواج مرتقب ، بعد أن أكون قد وجدت ، بالطبع الفتاة التي أحبها وتحبني لأرتبط بها. آه ، هذا أمر لايحتاج إلى نقاش بالنسبة لي ! لابد أن أحب من أنوي الزواج منها ، وأكون محبوبا من طرفها ! فالحب وحده هو الذي ينعش الحياة الزوجية بعدما يكون الملل قد دب إليها ! لكن كيف التعرف إلى فتاة تحبها وتحبك ، في زمن أصبحت فيه كلمة حب فارغة من كل معنى ؟
ذات يوم ، كنت أمتطي الطرامواي لأذهب إلى العمل . لم يكن هناك ركاب كثيرين ، بحيث كانت كراسي عدة فارغة. جلست وأنا أنظر إلى الساعة ؛ كان الوقت فعلا قد داهمني ، أنا الذي لاأحب أن أصل متأخرا إلى العمل . لم أنتبه ، لقد كانت تجلس بجانبي فتاة من أجمل ماخلق الله في هذا الكون ! ألقيت إليها نظرة مختلسة وأنا أقول ، وكأني أحدث نفسي " سبحان الله ! وهو الذي يصوركم في الأرحام كيف يشاء ! " سمعت الفتاة ماقلت ، رغم أن صوتي كان خافتا جدا ، فنظرت إلي بغرابة وهي تبتسم ؛ ابتسمت أنا أيضا ، لكني لم أضف شيئا.
لن أطيل عليكم ، لقد شاءت الأقدار أن نلتقي بعد ذلك ، ونتعارف ، ثم أتقدم ، بعد مضي أقل من ثلاثة أشهر لخطبتها ! لقد كان حبنا حقيقيا ومثاليا !

وجاء اليوم الموعود ! جاءت ليلة الزفاف بأفراحها ومسراتها ! آه لو كنتم تعلمون مدى سعادتي وأنا أدخل بالمرأة التي غيرت كل حياتي ، والتي أحبها قلبي بشغف ! لكن سرعان ما ستختفي كل هاته السعادة ليحل محلها الغضب والإنفعال : لقد كانت صدمتي كبيرة جدا وأنا أكتشف أن زوجتي لم تكن بكرا !
خيم صمت رهيب علينا لأكثر من عشر دقائق ، وجدتني أختلق خلالها الأعذار وأحاول أن أقنع نفسي بأنها ، ربما كانت ضحية تهور أحد أفراد العائلة ، كابن العم أو ابن الخال مثلا ، ولم تكن بعد قد تجاوزت سن الحادية عشرة أو الثانية عشرة من عمرها ؛ أو لربما كانت ضحية اغتصاب ، كما نسمع كل يوم ، أو نقرأ في الجرائد . . فسألتها : كيف ضاعت منك بكارتك ؟ انفجرت ضاحكة وهي تقول : عفوا ياأخي ، لم أكن أعلم أنك بهذا الغباء ! نحن في القرن الواحد والعشرين . . لقد مضى زمن البكارات ! ثم استدركت تقول: ألا يكفيك أني أصبحت لك وحدك ؟
مضت بضعة أيام على زواجنا استطعت أن أقنع نفسي خلالها بأن زمن البكارات قد ولى فعلا ، وأنه من الغباء أن أطلب أكثر مما هو متوفر !
ذات يوم ، أحست بألم يقطع أمعاءها ؛ وبعد صبر طويل ، وجدنا أنفسنا مضطرين لزيارة الطبيب الذي قال لي ، بعد الكشف عليها : أأنت زوجها ؟ قلت نعم ! قال لي: لاتقلق ، فالجنين يتمتع بصحة جيدة ! - ماذا ، الجنين ؟! - نعم ياأخي ، ابنكما ! - ابننا ؟! أ تريد أن تقول بأن زوجتي حامل ؟! - كيف ، ألم تكن تعلم بذلك ؟ ارتبكت قليلا ، ثم قلت : لا ، كل ما في الأمر هو أنني كنت مسافرا لعدة شهور ، ولم أعد من السفر إلا اليوم . . - أبشر ياأخي ، فزوجتك حامل في الشهر الثالث ! - في الشهر الثالث ؟! - نعم ! سأعطيكم الآن بعض المقويات من أجل الطفل ، لكن أوصيك يامدام ، لابد أن تكون الراحة شاملة ، فسلامتك تأتي في المقام الأول !

ماهذا يارب ! زوجتي تحمل في بطنها ابنا غير شرعي ! ولم لم تقل لي أي شيء ؟ آه ، فهمت ! كانت تنتظر ربما آخر الشهر لتقول لي بأنها حامل في الشهر الأول ، ومع مرور الوقت ، أي عندما تكتمل التسعة أشهر ستضع مولودها ، ثم تنسبه لي، على أساس أن الولادة كانت مبكرة ، وأن " ابننا " ازداد في الشهر السادس أو السابع ! يالمكر النساء ! 
لقد قالت لي قبل شهر " ألا يكفيك أني أصبحت لك وحدك ؟ " لم أعر حينها هذا الكلام اهتماما بالغا ، لكن الآن أصبحت لاأستبعد أنه كلام يخفي في ثناياه حقيقة مرة تتجلى في أنها لي وحدي طالما أنا أمامها ، لكن للغير كلما أتيحت لها الفرصة لذلك ! ألم تكن لغيري قبل أن نلتقي بقليل ؟ من الواضح أنها أمضت حياتها بين المقاهي والحانات ، تتمتع بشبابها وبجمالها ؛ تسهر مع هذا وتبيت مع ذاك ! إنها خبيرة ، على فكرة ، وبدرجة أكبر من أولئك البطلات المحنكات ، اللواتي نراهن في الأفلام الخليعة !
ماذا أفعل ؟ أأطلقها ؟ أأستر عليها وأغفر لها زلتها ، وأفوض أمري إلى الله ؟ سيكون هذا في حقيقة الأمر نبل مني ربما أعطاها أملا جديدا ، وثقة في الحياة ، وأصبحت لاترى في الوجود سواي ، وازداد حبها وإخلاصها لي ، وتعلقت بي أكثر من أي وقت مضى ! لكن هناك شيء سيبعثر بالتأكيد كل الأوراق ! لنفرض أن أفراد عائلتي ، والذين أحبوها جدا قبلوا بهذا الوضع، فهناك الجيران ، والأصدقاء ، والأقارب . . آه ، بعد مرور شهر ، أو شهرين على أكبر تقدير ، سينتفخ بطنها ، أليس كذلك ؟ فهذا إذن شيء لايمكن لأحد أن يصدق معه أنها حامل فقط في الشهر الأول أو الثاني !
ثم نأتي إلى شيء آخر أكثر خطورة ! هذا الإبن الذي تحمله في بطنها هو من أب مجهول ، صحبح ؟ كيف سيكون وضعنا ، أنا وعائلتي في حالة ماإذا كان هذا الإبن أسود البشرة ؟!
ماذا ؟ لا ، لا . . لايمكن أن نقوم بعملية إجهاض أو ماشابه ذلك ، فليس من حقنا أن نقتل بشرا نفخ فيه الله من روحه وأراد له الحياة ! 
ماالعمل ، إذن ؟ لست أدري ، والله !
كنا نمشي جنبا إلى جنب ، دون أن يكلم بعضنا الآخر . وفي لحظة ، رفعت رأسها وقالت لي " أعرف جيدا أنك لن تعيرني أي اهتمام في المستقبل ، ولن أكون عندك تلك الزوجة المشرفة ، والتي كانت تنعم بحبك ورضاك ! " لم أقل شيئا فأضافت ، ونحن نتأهب لنقطع الطريق " أتمنى أن نلتقي في عالم أفضل ! " ، ثم ألقت بنفسها أمام إحدى السيارات التي كانت تسير بسرعة كبيرة ، والتي كادت أن ترديها قتيلة .
جاءت سيارة الإسعاف ، واقتادوها على وجه السرعة إلى المستشفى . لقد أصيبت بجرح غائر في الرأس ، وبكسر في الدراع الأيسر ؛ أما الجنين ، فلقد فارق الحياة . 
إنها تتماثل للشفاء الآن ، بعد قضاء يومين في المستشفى .
ماالعمل إذن ؟ أأحتفظ بها أم أطلقها ؟
سألت أمي فقالت : القرار يعود لك يابني ، لكن من أدرانا أنها لن تخونك أبدا ؟
وسألت أختي فقالت : استر عليها يستر الله عليك دنيا وأخرى !
وقالت هي : لاأخفيك أني قضيت حياتي بين الحانات والمقاهي ، وأنا لاأبالي ؛ لكني الآن أتوب على يديك ، والله شاهد على ماأقول !
فقلت أنا : عفوا حبيبتي ، لقد انعدم عنصر الثقة بيننا وتلاشى كل ذلك الحب الذي كنت أكنه لك !
عادت وقالت : ألم يقل رسولنا الكريم عليه أفضل الصلوات والسلام " إن يهدي الله بك أحدا خير مما طلعت عليه الشمس ؟ " لقد اهتديت على يديك إلى الطريق المستقيم ، طريق الله ؛ ألا تقبلني ؟ ألا تريد أن تنال من الله ماهو خير مما طلعت عليه الشمس ؟ 
اغرورقت عيناي دموعا ، وأنا في حيرة من أمري ، ثم خرجت على التو من المنزل دونما أي اتجاه ؛ بعد ساعة من الزمن ، عدت ومعي ، حسب اعتقادي الحل الصحيح والأمثل لهذا الأمر الذي اعتاص بالفعل علي . قلت لها : سوف نفترق لمدة شهر ؛ لالقاء بيننا ، لامكالمات ، لا رسائل . . ثم نرى مايمكن أن يحصل لنا ! وكان كذلك.
مرت عشرة أيام ، وإذا بي أتلقى منها رسالة على الواتساب تقول فيها : ياأعز الناس ، يامن أحبه قلبي أكثر من أي شيء ، يامن غير كل حياتي ، يامن أعطى معنى لوجودي . . إني أوجد منذ يومين بإحدى المصحات ، فأنا أعاني من نزيف داخلي في الرأس ، وأظن أني أقرب إلى الموت مني إلى الحياة ! لاتتأخر في المجيء ، إني أريد أن أراك . لاتتأخر من فضلك !
كلمتها لأطلب منها اسم المصحة ، ثم خرجت على الفور . عند وصولي ، كانت هي توجد على ظهر نقالة في اتجاه غرفة العمليات . كان لون وجهها شاحبا . ابتسمت وقالت لي بصوت خافت " أنت حبيبي ! "
بعد ساعتين ونصف ، خرج الطبيب وقال لي " لقد استطعنا وبصعوبة فائقة أن نحاصر النزيف ، لكني أصدقك القول ، فحالتها تتطلب معجزة حقيقية ! "
أجهشت بالبكاء وأنا أرفع عيني إلى السماء لأقول " اللهم إني لاأسألك رد القضاء ، ولكني أسألك اللطف فيه . . ياكريم ، يارحمان يارحيم ، يارب العرش العظيم ؛ يامن بيده مقاليد كل شيء ."
مرت الآن سنتان ، رزقنا خلالها بمولود سميناه " عبد اللطيف" وذلك للطف الله عز وجل بنا . 
وتستمر الحياة . .

مصطفى دهور. أستاذ اللغة الفرنسية. 
الدار البيضاء.

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق

ملحوظة: يمكن لأعضاء المدونة فقط إرسال تعليق.